أبو البركات بن الأنباري

192

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

الفرع لا بد أن يكون فيه الأصل ، وصار هذا كما تقول في الآنية المصوغة من الفضة فإنها تدل على الفضة ، والفضة لا تدل على الآنية ، وكما أن الآنية المصوغة من الفضة فرع عليها ومأخوذة منها فكذلك هاهنا : الفعل فرع على المصدر ومأخوذ منه . ومنهم من تمسك بأن قال : الدليل على أن المصدر ليس مشتقا من الفعل أنه لو كان مشتقا منه لكان يجب أن يجري على سنن في القياس ، ولم يختلف كما لم يختلف أسماء الفاعلين والمفعولين ؛ فلما اختلف المصدر اختلاف الأجناس كالرجل والثوب والتراب والماء والزيت وسائر الأجناس دل على أنه غير مشتق من الفعل . ومنهم من تمسك بأن قال : لو كان المصدر مشتقا من الفعل لوجب أن يدل على ما في الفعل من الحدث والزمان وعلى معنى ثالث ، كما دلت أسماء الفاعلين والمفعولين على الحدث وذات الفاعل والمفعول به « 1 » ؛ فلما لم يكن المصدر كذلك دل على أنه ليس مشتقا من الفعل . ومنهم من تمسك بأن قال : الدليل على أن المصدر ليس مشتقا من الفعل قولهم « أكرم إكراما » بإثبات الهمزة ، ولو كان مشتقا من الفعل لوجب أن تحذف منه الهمزة كما حذفت من اسم الفاعل والمفعول نحو « مكرم ، ومكرم » لمّا كانا مشتقين منه ؛ فلما لم تحذف هاهنا كما حذفت مما هو مشتق منه دل على أنه ليس بمشتق منه . ومنهم من تمسك بأن قال : الدليل على أن المصدر هو الأصل تسميته مصدرا ؛ فإن المصدر هو الموضع الذي يصدر عنه ، ولهذا قيل للموضع الذي تصدر عنه الإبل « مصدر » فلما سمّي مصدرا دل على أن الفعل قد صدر [ عنه ] وهذا دليل لا بأس به في المسألة ، وما اعترض به الكوفيون عليه في دليلهم فسنذكر فساده في الجواب عن كلماتهم في موضعه إن شاء اللّه تعالى . أما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إن المصدر يصح لصحة الفعل ويعتلّ لاعتلاله » قلنا : الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه : الوجه الأول : أن المصدر الذي لا علّة فيه ولا زيادة لا يأتي إلا صحيحا نحو « ضربته ضربا » وما أشبه ذلك ، وإنما يأتي معتلا ما كانت فيه الزيادة ، والكلام إنما وقع في أصول المصادر ، لا في فروعها .

--> ( 1 ) في الأصل « وذات الفعل والمفعول به » وليس بشيء .